محمد حسين علي الصغير
56
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . . « 1 » فيها من الدلالة الإيحائية ، الانتقال بمشاعر الإنسان في الغبطة والسرور إلى عالم روحي محض يحمل بين برديه جميع مقومات الرضا من اللّه ، والعناية بالنفس المطمئنة ، التي لا تأمل إلا التثبيت والاستقامة . ثانياً : والكلمة « ربوة » في قوله تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ . . . « 1 » تحمل صورة فريدة في تخيل الجنان تتساقط عليها الأمطار فتمسح سطحها ، وهي سامقة شامخة فتزيل القذى عن أشجارها ، وتثبت جذورها ، وتمنحها القوة والحياة والاستمرار ، وهي على نشز من الأرض تباكرها هذه الهبات ، وما يوحي ذلك من مناخ نفسي يسكن إليه الضمير . ثالثاً : والكلمة « بصير » في قوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) « 1 » توحي هنا بدقة الملاحظة وشدة الرقابة والإحاطة الشاملة بجزئيات الأمور كلياتها ، وحيثيات الإنسان وتصرفاته ، فعمله منظور لا يغفل عنه ، ووجوده في رصد لا يترك ، وأعماله في سبر وإحصاء . وهذا الإيحاء نفسه يوحي بإيحاء آخر هو : إن اللّه بصير لا بالعين الناظرة ، لأن العين لها ما شاهدت واللّه يرصد ما يشاهد ما يخفى وما تجن الصدور . إن هذه الإيحائية تحتمها دلالة اللفظ . رابعاً : واختيار كلمة « تراب » بدلًا من « طين » في قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ . . . ( 59 ) « 4 » ذو طبيعة إيحائية تضفي على اللفظ أكثر من المعنى الظاهر الذي يتبادر له الذهن ، فقد أريد بها هنا أن الإنسان خلق من أدنى القسيمين الطين
--> ( 1 ) البقرة : 265 ( 4 ) آل عمران : 59 .